محمد متولي الشعراوي

6006

تفسير الشعراوى

ما في الكون هو رزق ، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فورا ، وهناك رزق غير مباشر . ومثال ذلك : النار ، فأنت لا تأكل النار ، لكنها تنضج لك الطعام . إذن : فهناك شئ مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك . والحق سبحانه قد حلّل لك - على سبيل المثال - لحم الضأن والماعز ، والإبل والبقر وغيرها ، وحرّم عليك لحم الخنزير « 1 » ، فلا تسأل : لماذا خلق اللّه الخنزير ؛ لأنه خلقه لمهمة أخرى ، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها ، فهذا رزق غير مباشر ، فاتركه للمهمة التي أراده اللّه لها . وبعض الناس قد حرّم على نفسه أشياء حلّلها اللّه تعالى « 2 » ، وهم بذلك يضيّقون على أنفسهم ، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرّم اللّه أنه يوسّع على نفسه ، فيأمر الحق سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول : أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ . . ( 59 ) [ يونس ] أي : أخبروني ما أنزل اللّه لكم من رزق ، وهو كل ما تنتفعون به ، إما مباشرة ، وإما بالوسائط ، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم ، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيّن لكم الحلال والحرام ؟ ! وكلمة أَنْزَلَ تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى « 3 » ، وكل ما ترونه

--> ( 1 ) يقول الحق سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 ) [ المائدة ] . ( 2 ) يقول الحق سبحانه عن يعقوب عليه السّلام : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) [ آل عمران ] . ( 3 ) يقول الحق سبحانه : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) [ الذاريات ] فنزول المطر من السماء هو رزق ينزله اللّه سبحانه ، فتحيا به الأرض الميتة فتنبت الزرع فيأكل منه كل كائن حي على الأرض من إنسان أو حيوان ، إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ . . ( 24 ) [ يونس ] .